السبت 17 اكتوبر 2026 آخر تحديث: الجمعة 16 اكتوبر 2026
من نقل السلاح إلى نقل المعرفة.. كيف طوّر الحوثيون قدراتهم العسكرية بمهارات إيرانية؟
الساعة 14:53 (الرأي برس- متابعات)

لا تقتصر أهمية الهجمات الحوثية الأخيرة على مطار الرياض الدولي ومقر لشركة أرامكو السعودية على طبيعة الأهداف التي طالتها، بل تمتد إلى التحول الذي طرأ على القدرات العسكرية للجماعة خلال السنوات الماضية. فبحسب خبراء في شؤون التسليح والمنطقة، لم يعد الدعم الإيراني يقتصر على توفير الأسلحة والمكونات، وإنما تطور إلى نقل المعرفة الفنية والخبرات اللازمة لتجميع منظومات عسكرية وتشغيلها وتطويرها محلياً.

ويشير هذا التحول إلى مسار أكثر تعقيداً في العلاقة العسكرية بين طهران والحوثيين، إذ إن نقل الخبرة لا يتيح للجماعة استخدام الأسلحة فحسب، بل يساعدها على بناء قدرات يمكن أن تستمر حتى مع تعطل بعض طرق الإمداد الخارجية. وفي حين تنفي إيران رسمياً تسليح الحوثيين بما يخالف حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، يرى خبراء أن سنوات التدريب وتبادل الخبرات أسهمت في توسيع القدرات التقنية للجماعة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع تجدد المواجهة الإقليمية واتساع الضغوط على الدفاعات الجوية في الخليج، إذ لم يعد التحدي مقتصراً على اعتراض صاروخ أو إسقاط طائرة مسيرة، بل بات يشمل التعامل مع خصم يراكم الخبرة في تطوير الأسلحة، ويبحث عن مصادر متعددة للحصول على المكونات التي يحتاج إليها.

ويقول أندرياس كريغ، المحاضر البارز في دراسات الأمن بكلية كينغز كوليدج لندن، إن الحرس الثوري الإيراني وأفراداً من حزب الله اللبناني قدموا للحوثيين في المراحل الأولى معرفة تتعلق بأنظمة الصواريخ وآليات تشغيلها. ومع مرور الوقت، ساعد مهندسون عسكريون يمنيون سابقون وكوادر محلية مؤهلة على تحويل هذه الخبرات إلى قدرات أكثر رسوخاً داخل الجماعة.
وبحسب كريغ، لم يقتصر الدور الإيراني على تزويد الحوثيين بالأسلحة، بل شمل المساهمة في إنشاء عملية تعلم عسكرية وصناعية محلية يصعب تفكيكها تدريجياً، حتى إذا تعرضت طرق الإمداد المباشر من إيران للتعطيل.

ويكشف هذا المسار عن اختلاف جوهري بين تقديم السلاح ونقل المعرفة. فالإمدادات العسكرية تظل مرتبطة بتوافر الشحنات وإمكان نقلها وتخزينها، بينما تتيح الخبرة الفنية للجهة المستفيدة اكتساب مهارات في تجميع الأنظمة وصيانتها وتكييفها مع احتياجاتها. ولا يعني ذلك أن الجماعة أصبحت مستقلة تماماً عن الخارج، لكنه يشير إلى أن تعطيل الإمدادات وحده قد لا يكون كافياً لوقف تطور قدراتها.

ويقدم حميد نيكو، المستشار السياسي السابق في الحرس الثوري الإيراني، تفسيراً لهذا التوجه، قائلاً إن الاستراتيجية الإيرانية أخذت في الاعتبار احتمال تعذر وصول المعدات والأسلحة مباشرة إلى الحوثيين أو مصادرتها من قوات متحالفة مع الولايات المتحدة. وأضاف أن التدريب شمل كيفية تجميع قطع ذات استخدام مزدوج، يمكن توظيفها في تصنيع طائرات مسيرة، وحتى في تطوير صواريخ باليستية.

وتعكس هذه المقاربة، وفق هذا التفسير، انتقالاً من الاعتماد على سلسلة إمداد خارجية إلى محاولة بناء قاعدة تقنية محلية، وإن ظلت هذه القاعدة بحاجة إلى مكونات وخبرات لا تتوافر بالضرورة داخل اليمن.

ولا يرتبط تطور القدرات الحوثية بنقل المعرفة وحده، بل يتقاطع مع مساعي تنويع مصادر الحصول على المكونات. فقد قالت منظمة «أبحاث تسليح النزاعات»، في تقرير نشرته هذا الأسبوع، إن الحوثيين يسعون إلى تطوير صواريخ باليستية متوسطة المدى باستخدام مكونات شُحنت من الصين، بعدما صادرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إحدى الشحنات التي قالت المنظمة إنها مرتبطة بهذه المساعي.

ويرى كريغ أن الصين برزت مصدراً تجارياً مهماً لبعض المكونات، في حين تواصل إيران توفير التكنولوجيا العسكرية المتخصصة والخبرة الفنية والقطع التي يصعب الحصول عليها عبر القنوات التجارية العادية.
وتكتسب هذه الشبكات أهمية لأن بعض المكونات المستخدمة في الأنظمة العسكرية يمكن أن تكون لها استخدامات مدنية أو صناعية أيضاً، ما يجعل مراقبة انتقالها أكثر تعقيداً من تعقب شحنة سلاح مكتملة. لكن وجود مكونات صينية لا يثبت، في حد ذاته، أن الحكومة الصينية تقدم دعماً عسكرياً مباشراً للحوثيين؛ إذ يتطلب تحديد المسؤولية معرفة طبيعة المكونات ومسار انتقالها والجهات التي رتبت شحنها.

وفي هذا السياق، يصبح نقل المعرفة عاملاً مكملاً لتنويع الإمدادات: فالحصول على قطع متفرقة لا يكفي وحده لبناء منظومة عسكرية متطورة، بل يتطلب خبرة في دمجها وتشغيلها وتعديلها. وهذه الحلقة الفنية هي التي يعتقد خبراء أنها أسهمت في تعزيز قدرة الحوثيين على تطوير أسلحتهم وتكييفها مع ظروف الحرب.

يمتد الاهتمام الحوثي بالتقنيات العسكرية، وفق ما أوردته المادة، إلى أدوات الذكاء الاصطناعي. فقد قالت شركة أنثروبيك الشهر الماضي إن جهة تهديد مقرها شمال اليمن استخدمت مساعدها «كلود» للمساعدة في تطوير برمجيات لصاروخ موجه، والعمل على مشروع صاروخ باليستي يتجاوز مداه ألفي كيلومتر، إضافة إلى تصور نسخة تتضمن مركبة انزلاقية فرط صوتية.

وتشير هذه الواقعة، إذا تأكدت تفاصيلها التقنية، إلى اتساع نطاق الأدوات التي يمكن أن تحاول الجماعات المسلحة الاستفادة منها في تطوير قدراتها. غير أن استخدام أداة للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج سلاح متطور أو تشغيله بنجاح؛ فبين المساعدة البرمجية والتصنيع والاختبار الميداني فجوات تقنية وهندسية كبيرة.

ومع ذلك، فإن الجمع بين الخبرة المنقولة والمكونات المتاحة تجارياً والأدوات الرقمية يثير أسئلة جديدة بشأن سبل الحد من انتشار التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، خصوصاً عندما تستفيد منها جهات تعمل خارج الأطر التقليدية للصناعات الدفاعية.

ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون ضغوطاً متزايدة على مخزونات الصواريخ الاعتراضية منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير. ويرى فرزان ثابت، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمعهد جنيف للدراسات العليا، أن اتساع مساحة السعودية يجعل الدفاع عن أجوائها مهمة صعبة، في ظل اختلاف طبيعة التحديات الجغرافية والعسكرية التي تواجهها عن تلك التي تواجهها إسرائيل أو القواعد الأميركية.

ويقول ثابت إن الحوثيين راكموا خبرة عملياتية خلال سنوات الصراع، بدءاً من الحرب اليمنية التي اندلعت عام 2014، مروراً باستهداف إسرائيل وحركة الشحن في البحر الأحمر بعد حرب غزة عام 2023، وصولاً إلى التصعيد الإقليمي الراهن.

ولا تعني هذه الخبرة أن الجماعة تمتلك قدرات تضاهي الجيوش النظامية في جميع المجالات، لكنها قد تمنحها القدرة على تكرار الهجمات وتعديل أساليبها، بما يرفع كلفة الدفاع ويزيد الحاجة إلى تطوير أنظمة الرصد والاعتراض وتعزيز مراقبة شبكات توريد المكونات.

وبالنسبة إلى السعودية، لا يتوقف التحدي عند حماية المطارات والمنشآت النفطية، بل يشمل التعامل مع تحول طويل الأمد في طبيعة التهديد. فكلما ترسخت الخبرات الفنية داخل الجماعة واتسعت مصادر حصولها على المكونات، أصبحت مواجهة ترسانتها مرتبطة بمنظومة أوسع من الإجراءات، تشمل الدفاع الجوي والاستخبارات وتعقب شبكات التوريد والحد من انتقال المعرفة التقنية.

وتكشف التجربة، وفق تقديرات الخبراء، أن نقل المعرفة قد يكون أكثر استدامة من إمداد السلاح وحده. فالشحنة يمكن اعتراضها أو مصادرتها، أما الخبرة التي تنتقل إلى الكوادر المحلية وتتحول إلى ممارسة متراكمة، فقد تظل عاملاً مؤثراً في القدرات العسكرية للجماعة حتى مع تغير ظروف الحرب ومسارات الإمداد.

نقلًا عن:" العرب اللندنية"

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر